ابو القاسم عبد الكريم القشيري

36

لطائف الإشارات

حقا إن القرآن كتاب دين وهداية وتشريع وعلم وغير ذلك مما يمكن أن تحج إليه المقاصد الإنسانية تلتمس فيه زادا ينمى المعارف ، ويثرى العلوم ، ويفتح مغاليق الأمور . ولكنه قبل كل ذلك معجزة فنية بهرت سامعيها أول ما بهرتهم بالبيان ، والنظم ، والقول ، فوجدوا لذلك حلاوة ، وعليه طلاوة ، وهم أهل لسن وفصاحة ، فنحن نعلم أن المعجزة تكون من جنس معجزات المخاطبين ولكنها من حيث الدرجة أعلى قدرا وأصعب دركا وأعزّ منالا . تخرج من هذا إلى أن دراسة إعجاز القرآن إن أغفلت تفسيرا كاللطائف - راعى فيه صاحبه أدب المفسّر وأدب المفسّر - إنما تغفل عن رافد غنى من روافد الدراسات القرآنية . ويمكن أن نضرب أمثلة سريعة توضح طريقة القشيري عندما يتصدّى لبعض الجوانب في الأسلوب القرآني . فمن اللفظة المفردة تنبعث إيحاءات جميلة مؤثرة تزيد المعنى قوة وتأكيدا ؛ كأن يقول عند قوله تعالى : « بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ » : اللعب فعل يجرى على غير ترتيب ، تشبيها باللّعاب الذي يسيل لا على نظام مخصوص ، فوصف المنافق باللعاب تصويرا لتردده وتحيره وشكه في عقيدته » . والتسبيح عنده مرتبط « بالسباحة في بحار التوحيد بلا شاطئ ، فبعد ما حصلوا فيها فلا خروج ولا براح فحازت أيديهم جواهر التفريد ، نظموها في عقود الإيمان ورصعوها في أطواق الوصلة » . والفجر « انفجار الصبح كما يتفجّر الماء من الصخر » . ومن القصة تنبعث إيحاءات ممتعة ؛ فمريم حين خوطبت « وهزّى إليك بجذع النخلة » : كان ذلك الجذع يابسا أخرج اللّه سبحانه في الوقت الرّطب الجنىّ ، وكان ذلك آية ودلالة على أن الذي قدر على فعل هذا قادر على خلق عيسى عليه السّلام من غير أب ، وقد أمرت بهز النخلة اليابسة حينما جاءتها علاقة الولد بعد أن كانت لا تتكلف السعي إذ كان زكريا يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقا ، أمرت بهز النخلة وهي في أضعف حالها زمان قرب عهدها بوضع الولد ليعلم أن العلاقة توجب المشقة والعناء ، أمرت بهز النخلة اليابسة وأمكنها ذلك وهي في حال ضعفها وفي ذلك أوضح دلالة على صدقها . . . » .